السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
309
مفاتيح الأصول
على الأخف الثالث أن الواجب واحد معيّن عند اللَّه وهو ما يفعله المكلف فيتعين باختياره ويختلف بالنسبة إلى المكلَّفين وهو لبعض المعتزلة والأشاعرة إلى الآخر الرابع أن الواجب واحد معيّن لا يختلف لكنه يسقط به وبالآخر والأقرب عندي هو القول الأول لنا أن المفهوم من قول السّيّد لعبده أكرم زيدا أو أطعم عمراً أن الواجب مفهوم أحدهما ولذا لو سئل العبد عما هو الواجب صحّ عند العقلاء أن يجيب السّيّد بأن الواجب واحد منهما لا جميعهما ولا واحد معيّن والظاهر أنه لا يثاب ولا يعاقب على الجميع ولا يخفى أن هذا القول والقول الثاني مشتركان في الثمرة وإن اختلفا في المفهوم والمعنى بل ربّما يمكن ادعاء اتحادهما قال المحقّق ومعنى كون الكل واجبا أنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الجمع بين اثنين منها فإن كان الخصم يسلم ذلك فهو وفاق وإن أنكره حصل الخلاف لنا لو كان الواجب واحدا معينا لما خير وإلا لكان تخييرا بين الواجب وغيره لا يقال يتعين باختيار المكلف لأنا نقول الوجوب حاصل قبل الاختيار فالموصوف به قبل الاختيار إما الكل على البدل وهو مذهبنا أو البعض وذلك ينافي التخيير وليست المسألة كثيرة الفائدة وينبغي التنبيه على أمور الأوّل إذا وجب عليه شيئان أو أشياء على وجه التخيير كما في التخيير في تطهير مخرج الغائط بين الماء والأحجار وكما في التخيير في خصال الكفارة وكما في التخيير في المواطن الأربعة بين القصر والإتمام فهل يجوز أن يوصف أحد الشيئين أو الأشياء بالاستحباب والأفضلية أو لا اختلف فيه أصحابنا على قولين أحدهما أنه يجوز ذلك وهو لجامع المقاصد والمشارق وشرح يتح لجدي العلامة البهبهاني وغيرهما ولهم ما أشار إليه في جامع المقاصد فقال في بحث الاستنجاء إن قيل الماء أحد الواجبين تخييرا فكيف يكون أفضل قلنا الوجوب التخييري لا ينافي الاستحباب العيني لأن متعلَّق الوجوب في المخير ليس عين واحد من الأفراد بل الأمر الكلي كما حقق في الأصول فتعلق الاستحباب والأفضليّة بواحد منهما لا محذور فيه انتهى وثانيهما أنه لا يجوز ذلك وهو للمدارك فإنه قال في البحث المذكور بعد الإشارة إلى ما ذكره في الشرائع من التخيير بين الماء والأحجار حيث لم يتعد الغائط المخرج ما لفظه وأورد على هذا الحكم أن الإزالة واجبة إما بالماء أو بالأحجار من حيث لم يتعد الغائط المخرج ما لفظه وأورد على هذا الحكم أن الإزالة واجبة إما بالماء أو بالأحجار وجوبا تخييريا فكيف يكون أحدهما أفضل من الآخر بل قد صرّحوا في مثل ذلك بالاستحباب ذلك الفرد الأفضل ومنافاة المستحب للواجب واضحة ثم قال وأجيب عنه ونقل ما ذكره في جامع المقاصد ثم قال وفيه نظر فإن أريد بالاستحباب هذا المعنى العرفي وهو الراجح الذي يجوز تركه لا إلى بدل لم يكن تعلَّقه بشيء من أفراد الواجب التخييري وإن أريد به كون أحد الفردين الواجبين أكثر ثوابا من الآخر فلا امتناع فيه كما هو ظاهر انتهى واعترض عليه في جملة من الكتب ففي المشارق بعد الإشارة إليه وأنت خبير بأن ما ذكره آخرا من النظر منظور فيه لأن كون الطَّبيعة واجبة مثلا وكون خصوص فرد منها مستحبّا مما لا خفاء في صحته وما عرض له من الشبهة أنه لا يجوز تركه لا إلى بدل فكيف يكون مستحبا فمدفوع بأن التحقيق أن الواجب ما يكون تركه سببا لاستحقاق العقاب إلا تركه لا إلى بدل لأن ما يكون له بدل ليس هو الواجب في الحقيقة بل الواجب أحدهما فزيادة هذا القيد في تعريف الواجب إما بناء على ما هو المتراءى في أول الوهلة أو غفلة عما هو الحق أو يكون المراد منه ما هو المراد بقولهم بوجه ما في تعريف الواجب ليدخل الواجبات المشروطة وعلى هذا لا يكون الفرد واجبا بل الواجب هو الطَّبيعة لأن ترك الفرد ليس سببا لاستحقاق العقاب بل السبب إنما هو ترك الطبيعة فيمكن استحبابه وهو ظاهر والإشكال بأن الفرد متحد مع الطبيعة فيكون واجبا بوجوبها فكيف يكون مستحبا فعلى تقدير الاتصاف بالوجوب بالعرض مدفوع بما ذكرنا فيما سبق من جواز اجتماع الوجوب والندب باعتبارين واعلم أنه لا حاجة لنا إلى إثبات أن الواجب بالأصالة هو الطبيعة دون الفرد إذ على تقدير أن يكون الفرد واجبا بالأصالة أمكن دفع الإيراد بالتمسك بالاعتبارين لكن لما لم يقع مثل هذا في الشريعة أي ورود الأمر الإيجابي والنّدبي في شيء بخصوصه باعتبارين وإن كان صحيحا بحسب العقل فلذلك تعرضنا أن الواجب بالأصالة هو الطبيعة فتدبر وفي شرح يتح ويمكن أن يقال الخصوص مستحب من حيث الخصوص وواجب من حيث القدر المشترك فوجوبه لنفسه واستحبابه إضافي بالنظر إلى الغير وبالإضافة إليه وليس بينهما منافاة كالوجوب للنّفس والاستحباب للغير وعكسه مثل غسل الجنابة لأجل صلاة النافلة على القول بوجوبه والثاني مثل الوضوء فتأمل وفي كلام بعض الأجلَّة قلنا الاستحباب هنا إنما تعلَّق بالفرد الكامل من أفراد ذلك الواجب المخير وهو من حيث اتصافه بصفة الكمال يجوز تركه لا إلى بدل إذ يقوم مقامه في الكمال غيره من تلك الأفراد واتصاف تلك الأفراد الباقية بالبدلية عنه إنما هو من حيث أصل الوجوب بمعنى أن كلا منهما بدل في الوجوب لا في الاستحباب والكمال غاية الأمر أن الفرد الكامل متصف بالوجوب والاستحباب باعتبارين فإنه باعتبار كونه أحد أفراد الواجب المخير فلا يجوز تركه لا إلى بدل يكون متصفا بالوجوب وباعتبار